أحمد بن محمد الخفاجي
4
شفاء الغليل فيما في كلام العرب من الدخيل
ونظرا لهذه الفائدة السنية ، عملنا على إخراج « شفاء الغليل » بحلة قشيبة ، عن طريق توثيق نصه ، وضبط ألفاظه ، وتصحيح أخطائه ، وإبراز هنات طبعته القديمة ، . . . وفهرسة محتوياته . وشفاء الغليل يقدم خدمة للدارسين والباحثين في العامية والدخيل - بالإضافة إلى ما احتواه من مادة - يبرز من خلالها التأكيد على أمرين : الأول أن الدخيل عرفته العربية منذ عصورها الأولى ، كما عرفته في العصور المتأخرة والحاضرة ، وإن كان الكم أكبر والنوع أكثر في الآونة الأخيرة . والثاني أن العامية أو اللغة الشعبية عرفها المجتمع العربي في الوقت الذي عرف الفصحى - على أغلب الظن - . والأمران السابقان يوضحان بعض المفاهيم - العالقة خطأ في أذهان الناس - ، منها قولهم إن العامية هي فتات الفصحى وصورة من صور انكسارها ووهنها ، وما دروا أنها قائمة بقيام الفصحى ، وأن العامية ( الشعبية ) هي في حقيقة أمرها خليط من لغات القبائل العربية القديمة « 1 » ، وأن العربي في كلامه العامي لم يبتدع ألفاظا من جعبته ، بل نقلت إليه بالتواتر على لسان العرب ، عن طريق اللهجة الشعبية التي ورثها كابرا عن كابر ، يضاف إليها الألفاظ والعبارات الأعجمية التي ترفد العامية ، متلونة من عصر إلى آخر . إذ أعجمية العصور الأولى من الفارسية والنبطية والسريانية واليونانية . . . وهي الشعوب التي عاصرت العرب في تلك الآونة . أما عامية اليوم فيبرز فيها الأعجمي من خلال الألفاظ الفرنسية والإنكليزية . . . وغيرهما ؛ مما افترضتها الحياة الاجتماعية اليوم . والأمر الثاني أن اللغة العربية لم تكن بدعا بين اللغات في هذا الأمر ، فهي تستعير - كغيرها - وتقترض من اللغات الأخرى في كل عصر ، وليست وقفا على العصر الحديث ، عصر الاختراعات والصناعات وغزو الفضاء . . . وفي هذا دلالة على حيوية العربية ، وقدرتها على التأقلم والمرونة مع كل عصر ، وكل مخترع ومكتشف . . . ففيها بذور الحياة التي تمدّها دائما بالنمو والحياة . . . وبكلمة يمكن القول بوجود الدخيل والعامية في كل عصر ، تمليهما طبيعة الحياة الاجتماعية . وإذا كنا نتأفف اليوم من سعة حجم الدخيل ، فقد سبق وزفر غيرنا في العصور الخوالي من كثرة الدخيل ، يصدقه قول المتنبي : [ من الوافر ] :
--> ( 1 ) من أمثلة قولهم « بس » و « أيش » و « امبارحة » . . . ، وهي لغات في قبائلها .